السيد محمد تقي المدرسي

345

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

ب - وقد تكون المعاهدة بين الطرف الاسلامي المنتصر ، والعدو المغلوب على أمره . ج - وقد تكون بين طرف قاهر والطرف الاسلامي المنهزم . والسابقة التي يضرب بها المثل للقسم الأول تتمثل في صلح الحديبية ، حيث يبدو كل من المسلمين وكفار قريش متكافئين من الناحية العسكرية في الظاهر . وقد كانت شروط النبي صلى الله عليه وآله في هذه المعاهدة صرفة ، حيث قبل ببعض الشروط التي رأى بعض المسلمين أنها كانت غير متناسبة مع قوتهم المتنامية . ولكنهم كانوا خاطئين إذ ان هدف المعاهدة ليس فقط كسر شوكة العدو ، وانما قد يكون الهدف استمالته لتحقيق قيم الأمة العليا . أما السابقة التاريخية التي مثلت القسم الثاني ؛ فقد كانت في اتفاقية الصلح بين المسلمين وبين بعض اليهود ، الذين نقضوا عهدهم مع الرسول وتآمروا على سلامة المسلمين في حرب الأحزاب . وبعد انتهاء محاصرة المدينة من قبل الأحزاب وعودة قريش وحلفاءهم ، فوجئ هؤلاء بالقوة الاسلامية تحاصر قلاعهم وتستفرد بهم فاعترفوا بالهزيمة وقبلوا بمبدء التحكيم . وكانت النتيجة قتل بعضهم ، وجلاء بعضهم ، وامتلاك ثرواتهم . فهنا ترى المعاهدة ذات صبغة تأديبية . واما القسم الثالث فنجده في معاهدة الإمام الحسن عليه السلام مع معاوية فيما سمي بصلح الإمام الحسن عليه السلام ، حيث إن الحرب انتهت بسلطة معاوية على البلاد الاسلامية بعد قبوله بمعاهدة الصلح التي كانت قاسية على الفئة المؤمنة ، مما جعل بعضهم يعترضون عليها ، ولكنها كانت ضرورية في تلك الظروف . ومن هنا فان على القيادة الشرعية تقييم الظروف المحيطة بانشاء معاهدة الصلح لتنظيم بنودها حسب الأولويات الممكنة . ولكن هناك بعض البصائر التي ينبغي وعيها في هذا الحقل : أولًا : على القيادة الشرعية دراسة الأهداف والقيم العليا للرسالة الإلهية ، إلى جانب اعتبار المصالح السياسية للأمة الاسلامية . ومن هنا فإذا كانت الغلبة للمسلمين فلا يفرضوا على الطرف الآخر شروطاً قاسية ينفرهم عن الدخول في الدين الحنيف ، ويثير فيهم العداوة الدفينة . وإن لنا في سيرة النبي الكريم في أهل مكة بعد فتحها ، وسيرة